أبي منصور الماتريدي
487
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ إلى الدنيا ، فقال بأن تلك النار التي عذبوا بها المؤمنين سلطت عليهم حتى أحرقتهم . وجائز أن يكون ذلك في جهنم أيضا ؛ فيكون فيه إخبار [ بأن ] « 1 » نار جهنم تدوم عليهم بالإحراق ، ولا تفتر عنهم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ : منهم من صرف هذا الخطاب إلى الذين عذبوا من المؤمنين . ومنهم من صرفه إلى المعذبين ، وهو أنهم لو آمنوا مع عظم جرمهم وإساءتهم بأولياء الله - تعالى - لكان يعفو عنهم ، وتسعهم رحمته . وقوله - عزّ وجل - : لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فقوله : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يحتمل وجهين : أحدهما : من تحت أهلها . والثاني : من تحت أشجارها . والجنة : اسم للمكان الذي فيه الأشجار الملتفة ؛ فيخبر أن الماء يجري من تحت ما به صار جنة وهي الأشجار ، وليس يراد بقوله : تحت الجنة ، أي : تحت تربتها ؛ لأن تحتها تكون قناة أو بئرا ، وليس بهما كثير « 2 » نزهة . وقوله : ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ الفائز هو الذي يظفر بما يأمل ، وينجو عما يخاف ، ويحذر ، ووصف أنه كبير ؛ لأنه ليس لما أنعم زوال ولا انقطاع . قوله تعالى : [ سورة البروج ( 85 ) : الآيات 12 إلى 22 ] إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ( 12 ) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ ( 13 ) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ( 14 ) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ( 15 ) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ( 16 ) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ( 17 ) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ ( 18 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ ( 19 ) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ( 20 ) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ( 21 ) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ( 22 ) وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ، أي : أخذه للانتقام شديد ، يشتد على الذي يعذب ؛ كقوله - تعالى - : وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] . وقوله : إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ . قال بعضهم « 3 » : يبدئ العذاب ، ثم يعيده .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : كبير . ( 3 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 36887 ) .